السلمي
553
مجموعة آثار السلمي
ذوى الجهل » . ( 11 ) وسئل بعض المشايخ في أحوال أهل التصوّف ، فكلّ واحد أجابه على قدر حاله . فإن كان قديرا أجيب على قدر المذهب من حيث المعاملات ، وإن كان متوسّطا أجيب من حيث الأحوال ، وإن كان عارفا فمن حيث الحقيقة . وقال بعض المتأخّرين : التّصوّف أوّله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة . فالعلم يكشف عن المرء والعمل يعين على الطّلب والموهبة تبلغ غاية العمل ومنتهى « 1 » الأمل . وأهله على ثلاث طبقات : مريد طالب ومتوسّط سائر ومنتهى واصل . فالمريد صاحب وقت والمتوسّط صاحب حال والمنتهي صاحب نفس . وأفضل الأشياء عندهم عدّ الأنفاس . فالمريد عندهم متعب في طلب المزاد والمتوسّط بآداب المنازل وهو صاحب تلوين لأنّه يرتقي من حال إلى حال وهو في الزّيادة . والمنتهي الواصل محمول قد جاوز المقامات ، وهو محلّ التّمكين لا تغيّره الأحوال ولا تؤثّر فيه الأهوال ، كما ذكر في قصّة يوسف الصّدّيق أنّ امرأة العزيز لمّا كانت صاحبة تمكين لم تؤثّر فيها رؤية يوسف عليه السّلام كما أنزلت في الّتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ( 12 : 31 ) وهذا قول الدّقّاق . فمقام المريد المجاهدات والمكابدات وتحمّل المشقّات وتجرّع المرارات ومجانبة الحظوظ وما للنّاس فيه متعة ، ومقام المتوسّط ركوب الأهوال في طلب المراد ومراعاة الصّدق في الأحوال واستعمال الأدب في المقامات ، ومقام ( المنتهي ) الصّحو والتّمكين ، وإجابة من حيث دعي . وقد استوى في حالة الشّدّة والرّخاء ، والمنع والعطاء ، والجفاء والوفاء ، أكله كجوعه ، ونومه كسهره ، قد ( زالت ) حظوظه وبقيت حقوقه ، ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحقّ . وكلّما ذكرت مشهود من حركات النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ابتداء أمره وانتهائه ، وكذلك الصّحابة رضي اللّه عنهم كان ابتداء أمرهم المجاهدات والمكابدات ، أخذوا بقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ( 29 : 69 ) . وفي النّهاية أخذوا بقوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ( 57 : 23 ) . فالمريدون يتفاضلون بالعلم ، والمتوسّطون بالأدب ، والعارفون بالهمّة . والهمّة ما يبعثك من نفسك على
--> ( 1 ) . في الأصل : ومنها .